أبو علي سينا

37

القانون في الطب ( طبع بيروت )

فإما بحسب البدن كله وهي التنقية عن الفضل ، وأما بحسب عضو وهي تغذية الطحال . وأما المنفعة ، فإنما تقع عند تحلّلها إلى فم المعدة وتلك المنفعة على وجهين : أحدهما : أنها تشد فم المعدة وتكثّفه وتقوّيه ، والثاني : أنها تدغدغ فم المعدة بالحموضة فتنبه على الجوع وتحرك الشهوة . واعلم أن الصفراء المتحلبة إلى المرارة هي ما يستغني عنه الدم . والمتحلبة عن المرارة هي ما تستغني عنه المرارة . وكذلك السوداء المتحلّبة إلى الطحال هي ما يستغني عنه الدم . والمتحلّبة عن الطحال هي ما يستغني عنه الطحال . وكما أن تلك الصفراء الأخيرة تنبه القوة الدافعة من أسفل كذلك هذه السوداء الأخيرة تنبّه القوة الجاذبة من فوق فتبارك اللّه أحسن الخالقين وأحكم الحاكمين . وأما السوداء الغير الطبيعية : فهي ما ليس على سبيل الرسوب والثفلية ، بل على سبيل الرمادية ، والاحتراق ، فإن الأشياء الرطبة المخالطة للأرضية تتميّز الأرضية منها على وجهين : إما على جهة الرسوب ومثل هذا الدم هو السوداء الطبيعي ، وإما على جهة الاحتراق بأن يتحلّل اللطيف ويبقى الكثيف . ومثل هذا الدم والأخلاط هو السوداء الفضلية تسمّى المرة السوداء ، وإنما لم يكن الرسوب إلا للدم لأن البلغم للزوجته لا يرسب عنه شيء كالثفل ، . والصفراء للطافتها وقلة الأرضية فيها ولدوام حركتها ، ولقلّة مقدار ما يتميز منها عن الدم في البدن لا يرسب منها شيء يعتدّ به وإذا تميّز لم يلبث أن يعفن أو يندفع ، وإذا عفن تحلل لطيفه وبقي كثيفة سوداء احتراقية لا رسوبية . والسوداء الفضلية : منها ما هو رماد الصفراء وحراقتها وهو مرّ والفرق بينه وبين الصفراء التي سميناها محترقة هو أن تلك الصفراء يخالطها هذا الرماد ، وأما هذا فهو رماد متميز بنفسه ، تحلّل لطيفه ، ومنها ما هو رماد البلغم وحراقته فإن كان البلغم لطيفاً جداً مائيا " ، فإن رماديته تكون إلى الملوحة وإلا كانت إلى حموضة أو عفوصة ، ومنها ما هو رماد الدم وحراقته ، وهذا مالح إلى حلاوة يسيرة ، ومنها ما هو رماد السوداء الطبيعية ، فإن كانت رقيقة كان رمادها وحراقتها شديدة الحموضة كالخل يغلي على وجه الأرض حامض الريح ينفر عنه الذباب ونحوه ، وإن كانت غليظة كانت أقل حموضة ومع شيء من العفوصة والمرارة ، فأصناف السوداء الرديئة ثلاثة : الصفراء إذا احترقت وتحلل لطيفها ، وهذان القسمان المذكوران بعدها . وأما السوداء البلغمية : فأبطأ ضرراً وأقل رداءة . وتترتّب هذه الأخلاط الأربعة إذا احترقت في الرداءة . فالسوداء أشدها وأشدها غائلة . وأسرعها فساداً هو الصفراوية لكنها أقبلها للعلاج . وأما القسمان الآخران فإن الذي هو أشد حموضة أردأ ، ولكنه إذا تدورك في ابتدائه كان أقبل للعلاج ، وأما الثالث فهو أقل غلياناً على الأرض وتشبثا بالأعضاء وأبطأ مدة في انتهائه إلى الإهلاك ، ولكنه أعصى في التحلل والنضج وقبول الدواء . فهذه هي أصناف الأخلاط الطبيعية والفضلية .